ابن المقفع
74
الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )
غير أن تلك الأنسة « 1 » وذلك التبذّل يستخرج من كلّ واحد منهما ما لم يكن ليظهر منه عند الانقباض « 2 » والتشدّد ، ولو التمس ملتمس مثل ذلك عند من يستأنف ملاطفته ومؤانسته إن كان ذا فضل في الرأي والعلم لم يجد عنده ، مثل ما هو منتفع ممّن هو دون ذلك في الرأي ممّن قد كفي مؤانسته ووقع على طباعه ، لأن الأنسة روح القلب والوحشة روع عليه « 3 » ، ولا يلتاط « 4 » بالقلوب إلا ما لان عليها . ومن استقبل الأنس بالوحشة استقبل أمرا ذا مئونة ، فإذا كلفتك نفسك السموّ إلى منزلة من وصفت فاقعدها من ذلك بمعرفة فضل الأليف والأنيس . وإذا حدّثتك نفسك أو غيرك ممّن لعلّه يكون له ، فضل في المروءة . . أنك أولى بالمنزلة عند الكبير من بعض دخلائه وثقاته ، فاذكر الذي عليه من حقّ أليفه وثقته وأنيسه في التكرمة والمكانة . والذي يعينه على ذلك من الرأي أنّه يجد عنده من الألف والأنس ما ليس واجدا عند غيره ، فليكن هذا ممّا تتحفّظ فيه على نفسك وتعرف فيه عذر الرجل ورأيه . والرأي فيه لنفسك مثل ذلك . . إن أرادك مريد على الدّخول دون أنيسك وأليفك وموضع ثقتك وجدّك وهزلك . 24 - واعلم أنّه تكاد تكون لكلّ رجل غالبة حديث ، إمّا عن بلد من البلدان أو ضرب من ضروب العلم أو صنف من صنوف الناس أو وجه من وجوه الرأي . وعندما يغرم به الرجل من ذلك يبدو منه السخف ويعرف منه الهوى ، فاجتنب ذلك في كلّ موطن ثم عند أولي الأمر خاصة .
--> ( 1 ) الأنسة : الاستئناس . ( 2 ) الانقباض : خلاف الانبساط والاتّساع . ( 3 ) الروع : الخوف . ( 4 ) يلتاط بالقلوب : يلتصق بها .